الشيخ السبحاني
212
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
والمشيئة عن الإنسان حتى المشيئة الظلية لمشيئته سبحانه التي لولاها لبطل التكليف وألغيت الشريعة . روى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال : سمعنا وهب بن منبّه قال : كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعا وسبعين كتابا من كتب الأنبياء في كلها : « من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر » ، فتركت قولي « 1 » . والمراد من « القدر » في قوله : « كنت أقول بالقدر » ، هو القدرة الإنسانية التي عبّر عنها في ذيل كلامه بالاختيار والمشيئة . كما يمكن أن يكون المراد منه نفي القدر ، كما ربما يقال « القدرية » على نفاة القدر والقضاء . وهذا النقل يعطي أنّ القول بنفي المشيئة للإنسان ممّا ورد في أزيد من سبعين كتابا من كتب الأنبياء ، حسب زعم هذا الكتابي ، ومنها تسرب هذا القول إلى الأوساط الإسلامية ، حتى أصبح من قال بالمشيئة يكفر حسب نقل هذا الكتابي . وقد تسنم الرجل منبر التحدث عن الأنبياء يوم كان نقل الحديث عن النبي ممنوعا ، وكان نتيجة ذلك التحدث انتشار الإسرائيليات الراجعة إلى حياة الأنبياء في العاصمة الإسلامية المدينة المنورة ، وقد جمع ما ألقاه في مجلد أسماه في كشف الظنون : « قصص الأبرار وقصص الأخيار » « 2 » . القدرية في الحديث النبوي روى الفريقان عن النبي الأكرم أنّه قال : « القدرية مجوس هذه الأمة » . وكل من الفريقين فسّر « القدرية » بخصمه . فالقائلين بالقدر بالمعنى السالب للاختيار ، يقولون إن المراد : المفوضة القائلة بالاختيار وعدم شمول القدر لأفعال الإنسان ، فكانوا كالمجوس ، القائلة بإلهين
--> ( 1 ) ميزان الاعتدال ، ج 4 ، ص 353 . ( 2 ) كشف الظّنون ، ج 2 ، ص 223 ، مادة « قصص » .